ابن الفارض
93
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
( العاد ) جمع العادة ، و ( الشذوذ ) : الندور ، واللام في ( لاتّحادنا ) متعلقة ب ( أفاد ) ، أي : أفاد اتّحادي حبّ المحبوبة من أجل اتّحادنا نوادر شذّت عن عادات العشاق ينبئ عنها قوله : يشي لي بي الواشي إليها ، ولائمي * عليها بها يبدي لديها نصيحتي ( يشي لي ) أي لأجلي ، و ( لائمي عليها ) أي : على حبّها ، والباء في ( بي ) ، ( بها ) للاستعانة ، أي : يشي لأجلي مستعينا بي من وشى إلى محبوبتي ، وبيدي نصيحتي لديها مستعينا بها من لا مني على حبّها نصيحة ، وهاتان الحالتان من نوادر المحبّة لاتّحاد المحبّ والمحبوب ؛ لأن العادة في المحبة جرت بأن يشي الواشي معايب المحبّ إلى محبوبه للمحبوب لا للمحبّ ؛ إذ هو موسوم بمحبة المحبوب ، وعداوة المحبّ ، فإذا وشى للمحب معايبه مستعينا به كان نادرا ، وكذلك جرت العادة فيها بأن يلوم [ 111 / ق ] اللّائم المحبّ على محبة المحبوب في خفية منه ، ولا يبدي نصيحة عند محبوبه ؛ لأنه يظهر محبّة المحب دون محبوبه ، فإذا لام المحب ونصحه عند محبوبه مستعينا بوجود المحبوب كان نادرا ، وهذا البيت يشتمل على إجمال ما فصل حيث قال : ( فلاح وواش ) ؛ لأنه ما أشار ثمة إلى اتّحادهما معه ومع المحبوب ، وأومأ هنا إلى ذلك ، فإنه أشار بلفظ ( بي ) إلى تحقّق الواشي بذاته ، وذلك هو الاتّحاد بينهما ، وبلفظ ( بها ) إلى تحقّق اللّائم بذات المحبوب ، وذلك هو الاتّحاد بينهما ، وقد يثبت الاتّحاد بين المحب والمحبوب ، فالواشي هو المحبّ ، والمحب هو المحبوب ، والمحبوب هو اللّائم ، فالكل واحد ، وهذا المعنى هو الجمع بين المتفرّقات ، وأمثال هذه النوادر تتسبّب عن معنى الاتّحاد ، ولا يفوز بها كل من يسلك طريق المحبّة ، بل هي شاذّة لأفراد ، ثم رتّب على هذه الحالة قوله : فأوسعها شكرا ، وما أسلفت قلّى * وتمنحني برّا لصدق المحبّة ( فأوسعها شكرا ) أي فأوفيها شكر نعمتها ، و ( ما أسلفت ) ما قدمت ( قلى ) : عداوة ، ( تمنحني برّا ) : تعطيني خيرا ، يعني لما قرب بمقام الجمع بين الجمع والتفرقة ، وصار كل ما تحجبت به من الصفات النفسانية والروحانية المعبّر بها باللّاحي والواشي قبل هذا صفة ذاتية غير حاجبة لي ، بل عين ذاتي عاد كل ما ظننته قلى وعداوة ، عطفا ومحبّة ، وكل ما زعمته محبة وبلاء ، منحة وعطاء ، فأوفي بسبب ذلك شكرا من ابتلائي ، أو لا يحجب التفرقة وجعلها آخر إكمالات غير حاجبة ، بل متّحدة